وقد أتى السيوطي وهو يحتج ببعض هذه الأقوال بما يفيد أن السلف كانوا يقولون بتفويض الصفات (7) ، وهذا توهم منه لا يبعد أن يكون قد تأثر فيه بما تراجع متأخرو الأشاعرة عنه ولم يبلغه ذلك، كما لا يبعد أن يكون غيره كذلك قد تأثر به فيه .. والجواب عن هذا أن المعنى الذي نفوه، وأبوا حمل التفسير عليه، هو المعنى الذي ابتكره المعطلة من الجهمية وغيرهم ممن ابتدعوا تفسيرات للصفات على خلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات (8) .. أو أن يكون المراد من ذلك ترك التفسير الذي يخرج عن ظاهر اللفظ أو الذي يؤدي إلى معرفة الكيفية أو الكنه، ذلك - وببساطة شديدة - أن التفسير إنما يكون لما انبهم من الكلام، وصفاته تعالى ليست مبهمة وإنما هي ظاهرة معلومة المعنى، والمجهول هو الكيف ومن ثم كان هو الذي يحتاج إلى تفسير، ولما كان هذا الكيف مجهولًا للخلق ولا مطمع في إدراكه قال السلف: أمروها بلا كيف.
وليس أدل على صحة ذلك الجواب، من أن السلف مع نفيهم الكيفية، أنكروا على المعطلة نهجهم الذي يقضي بنفي الصفات وعدم إثباتها، ومن أقوال أئمة السلف في ذلك ما نقل عن الإمام أحمد من قوله:"ليس كمثله شيء في ذاته .. وصفاته غير محدودة، ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه، قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث بل نقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه .. نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت .. سميع بصير لم يزل متكلمًا عالمًا غفورًا .. فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما قال تعالى: (ثم استوى على العرش .. الأعراف/ 54 يونس/ 3الرعد/ 2 الفرقان/ 59 السجدة/ 4 الحديد/ 4) كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة إليه، ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء وهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، لا نتعدى القرآن والحديث، تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة" (9) .