كما أثار توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه، يتلون كتاب اللَّه ... » الحديث، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: «بلغوا عني ولو آية» . هِمَمَ الصحابة وشَحَذَ عزائمهم في المسارعة إلى اكتساب هذا الخير ونشره، فطفقوا يعقدون حلقات القرآن الكريم، ويقرأ بعضهم على بعض، ويعلِّم بعضهم بعضًا آياتِ اللَّه سبحانه، حتى أن الأكبر منهم سنًا وسابقة ليعرض القرآن على مَن هو أصغر منهم، فقد رُوي عن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما - قال: «كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف ذات ليلة ونحن بمنى» . [البخاري: 7323]
وامتلأ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلقات الإقراء، يفتتحها النبي صلى الله عليه وسلم ويشرف على اختيار جِلَّة أصحابه لتوليها، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان أنصاريًا، قال: «كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل مِنا يعلمه القرآن، فدفع إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا فكنت أُقرئه القرآن» .
وقد افتتح رضي الله عنه حلقة للقرآن الكريم بين أهل الصُّفَّة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال في ذلك: «علمتُ ناسًا من أهل الصُّفَّة الكتابة والقرآن» .
ويكفي دليلًا على سعة انتشار حلقات القرآن الكريم، وكثرة حفَّاظه من الصحابة في المدينة: إرسال النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الرابعة من هجرته المباركة سبعين من الصحابة - على الصحيح - كانوا يسمَّون بالقراء، إلى خارج المدينة لنشر القرآن وتعليمه، فقُتِلوا رضوان اللَّه عليهم عن آخرهم ببئر «معونة» ، وقنت النبي صلى الله عليه وسلم قبل الركوع شهرًا يدعو على مَن قتلهم، ثم تركه لمَّا جاءوا تائبين مسلمين. [رواه البخاري 2999]