ما أشبه حال المستضعفين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم اليوم بحال الجارية التي أنطق الله الصبي الرضيع بشأنها فقد مروا بها وهم يضربونها ويقولون لها ظلمًا وعدوانًا زنيت، سرقت، وهي تقول حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت أم الصبي: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الرضاع ونظر إليها وقال: اللهم اجعلني مثلها». [رواه مسلم]
فلم تملك هذه الجارية المظلومة المستضعفة أن تدفع عن نفسها إلا بهذه الكلمة التي تتضمن معاني اللجوء إلى الله عز وجل والرضى بحكمه وقضائه والثقة بعدله سبحانه ونصره لأوليائه ولو بعد حين.
ولا شك أن المولى سبحانه يبتلي أولياءه ليرفع من شأنهم ومنزلتهم عنده سبحانه، ويميز الخبيث من الطيب، لأجل هذا يؤيد أولياءه ويثبت قلوبهم بقوله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}
[آل عمران: 139 - 142]
إن هذا البلاء يعم الدنيا بأسرها إلى قيام الساعة ونبينا صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن من وعى ذلك لا يتلذذ بنعمة في الدنيا لأن الآخرة تشغل باله وهمه فيقول: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ- إسرافيل- قَدْ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَاسْتَمَعَ الْإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ» . فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم قولوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» .
[رواه الترمذي وحسنه]