{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا} لقد أنكر المشركون {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر: 1] ، {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5] ، ولذلك كثُر في القرآن ذكر مصدره الوحيد الذي نزل منه، كقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر: 1] ، {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 2] ، {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 2] ، {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 192] ، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، وقال هاهنا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا} ، وإذا عُلم أن اللَّه هو الذي نزّل عليك الكتاب بالحق {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي كما أكرمك بما أنزل عليك فاصبر على قضائه وقدره، واعلم أنه سيدبر أمرك بحسن تدبيره: إن الأمور مرهونة بقدر اللَّه، وهو يُمهل الباطل، ويطيلُ أمد المحنة على المؤمنين والابتلاء والتمحيص وهذا يستدعي الصبر، كل أولئك لحكمةٍ يعلمها، يجري بها قدرُه، وينفذُ بها حكمه، فأمر الله تعالى بالصبر حتى يجيء موعدُه المرسوم. الصبرْ على الأذى والفتنة، والصبر على الباطل يغلبُ، ثم أمره: اصبر أكثر على ما أوتيته من الحق الذي نزل به القرآن عليك، اصبرْ ولا تستمع لما يعرضونه من المصالحة والمداهنة على حساب العقيدة: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} ، فهم لا يَدْعُونَك إلى طاعة، ولا إلى برّ، ولا إلى خير، بل هم آثمون كفّار، يَدْعُونَك إلى شيء من الإثم والكفر، إذَنْ حين يدعونك إلى المصالحة والمداهنة، وحين يعرضون عليك ما يظنونه يُرضيك ويُغريك ...