ثالثًا: أبناء الإسلام وتعظيم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
وخدمته وبيعته وحب صحابته
عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي آخر الليل، فقمت وراءه، فأخذني فأقامني حذاءه - بجواره - فلما أقبل على صلاته انخنست (أي رجعت إلى الوراء) ، فلما انصرف قال: «ما لك أجعلك حذائي فتخنس؟» قال: قلت: ما ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول اللَّه، فأعجبه، فدعا اللَّه أن يزيدني فهمًا وعلمًا.
[الحاكم 3/ 6279، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين]
ومعلوم أن ابن عباس في ذاك الوقت كان دون العاشرة أو فوقها بقليل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ولابن عباس من العمر ثلاث عشرة سنة.
قلت: وليس معنى إعجاب الرسول صلى الله عليه وسلم بقول ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن ابن عباس علَّم النبي صلى الله عليه وسلم أين يقف المصلي المفرد بجواره، فهذا علم ثابت راسخ عند النبي صلى الله عليه وسلم من قبل ابن عباس ومن بعده، لكن محل إعجاب النبي صلى الله عليه وسلم كان من إدراك هذا الغلام الحدث لهذا المعنى الدقيق؛ أنه لا ينبغي أن يحاذي النبي صلى الله عليه وسلم وهو رسول اللَّه تعالى، فهل يدركها أصحاب الشهادات المسماة عالية، وأصحاب الأسماء اللامعة والشهرة الواسعة، من الذين يقدمون بين يدي اللَّه ورسوله، ويحاولون جاهدين أن يجعلوا من أهوائهم ونظرياتهم هديًا أفضل من هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟
فانظر يا ابن الإسلام إلى هذا التعبير العظيم والفهم الواعي عند ابن عباس الشاب الصغير لدرجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعجب بهذا الفهم وذلك التعبير حتى دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالمزيد من العلم والفقه.