[تاريخ ابن خلدون 2/ 424]
تحويل القبلة سنة 2هـ
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى قبلة بيت المقدس ويحب أن يصرف إلى الكعبة وقال لجبريل: «وددت أن يصرف اللَّه وجهي عن قبلة اليهود» . فقال: إنما أنا عبد فادع ربك واسأله، فجعل يقلب وجهه في السماء يرجو ذلك حتى أنزل الله عليه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] ، وذلك بعد ستة عشر شهرًا من مقدمه المدينة قبل وقعة بدر بشهرين.
قال محمد بن سعد: أخبرنا هاشم بن القاسم قال: أنبأنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي، قال: ما خالف نبي نبيًا قط في قبلة ولا في سنة إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس حين قدم المدينة ستة عشر شهرًا ثم قرأ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الشورى: 13] .
وكان لله في جعل القبلة إلى بيت المقدس ثم تحويلها إلى الكعبة حكم عظيمة ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين. فأما المسلمون فقالوا: سمعنا وأطعنا وقالوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ، وهم الذين هدى اللَّه ولم تكن كبيرة عليهم. وأما المشركون فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا وما رجع إليها إلا لأنه الحق.
وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله ولو كان نبيا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء، وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه إن كانت الأولى حقًا فقد تركها وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل، وكثرت أقاويل السفهاء من الناس وكانت كما قال اللَّه تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: 143] ، وكانت محنة من اللَّه امتحن بها عباده ليرى من يتبع الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه.
سرية الخبط سنة 8 هـ