ولكن لم يقعد هذا الشيطان أن يعمل على التخلص من عمر، فأوحى إلى حزبه، فقتلوه رضي الله عنه وأرضاه، واستطاع الشيطان بعده: أن يخرق بأصابعه في هذا المجتمع - وقد كثر فيه الدخيل - ثقوبا، نفث من خلالها ريح الفتنة، وغفل الناس - لأمر قضاه الله - حتى اشتعلت نارها واستعر أوارها. وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. فلعب على أيدي حزبه من الفرس واليهود وأشباههم من أعداء الله ورسله من ذوي الحمية الشيطانية والعصبيات الجاهلية. فكانت فتنة قتل عثمان، ثم فتنة على ومعاوية، وفي أثنائها: كانت فتنة الإعراض عن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لما أنزل إليه من ربه، التي لعبها إبليس على يد الخوارج، ثم كانت فتن كقطع الليل المظلم، من أخبثها وأشدها زحزحة للقلوب عن هدى القرآن عقيدة وعملا: فتنة المعتزلة التي أعلنت بتحكيم الهوى - الذي سموه العقل - في نصوص كتاب الله بل وفي الأسماء والصفات، فحرفوها عن موضعها، وأخرجوها عن حقيقتها، وجردوا الله من هذه الأسماء والصفات، وكانت هذه أول بذرة الصوفية الخبيثة، ثم كان من آثارها ودخانها: فتنة القول بخلق القرآن، فقد تهيأ بهذه الفتنة وبما تبعها للشيطان أن يمرح طويلا، ويذهب ويجيء بالقلوب بعيدًا جدًا. وكان للإمام أحمد بن حنبل - غفر الله له - المقام المحمود، والقدم الصادق، والقلب الراسخ، ولم يكن قصد حزب الشيطان: تنزيه القرآن وصيانته، بل كان قصدهم الأول والأخير: أن تزول القلوب عن الإيمان بأن هذا كلام الله ووحيه الذي أنزله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وفي آثار هذه الفتنة، أو هو من آثارها: الإعراض عن القرآن وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم جملة وتفصيلا بما استحدثوا من مؤلفات وآراء ومذاهب.