وما زالت الفتن والأهواء تهوى بالمسلمين، في ظلمات هذه الجهالات، حتى آل الأمر بهم أن غرقوا في فتن حيرتهم في جميع شئونهم، حتى جاء العدو الأفرنجي، ووضع بيده عليهم بكل سهولة، في غمرة الحيرة، التي لا تزال تحيط بهم. وهم يحاولون الخلاص مما هم فيه من أسر الفرنجة، ولكن ما هم حريصون عليه من غمرة الحيرة الجاهلية، يجعل محاولتهم أسبابًا جديدة لتثبيت مخالب العدو في أعناقهم. وهم لا يشعرون، أو يشعرون، ويخادعون أنفسهم. وهذه أشد في البلية وأعظم في المصيبة.
وبعد، فإن أنصار السنة ما قامت إلا لإرجاع الناس إلى هدى القرآن، كلام الله المنزل من عنده، وإلى هدى الرسول الذي حفظه ووعاه أصحابه، وحفظوا به بيانه للقرآن قولا وعملا وحالا، وأدوه كما حفظوه للناس، وجاء من بعدهم أئمة جهابذة اصطفاهم الله واستعملهم في حفظ هذا البيان للناس: أن يضلوا ويزيغوا، إذا ضاع منهم هذا البيان، فقالوا في القرآن بهواهم، وجروا مع الضالين الأولين وراء عدوهم المضل المبين.