ولَمَّا وعد الله المؤْمنين بالنصر وتثبيت الأقدام توعد الكافرين بالزلل والعثار، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ} «والتعس: الشقاء، ويطلق على عدة معان: الهلاك، والخيبة، والانحطاط، والسقوط، وهي معان تحوم حول الشقاء» . وكلها معان مقصودة. قال الرازي: «قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ} زيادة في تقوية قلوب المؤمنين، لأَنَّه تعالى لَمَّا قال: {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} جاز أَنْ يتوهم أَنَّ الكافر أيضًا يصبر ويثبت للقتال فيدوم القتال والحراب والطغيان والضراب، وفيه المشقة العظيمة، فقال تعالى: لكم الثبات ولهم الزوال والتعثر والهلاك فلا يكون الثبات» . كما قال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 23] ، وقال تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} [آل عمران: 111] .
وقوله تعالى: {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} «أي أبطل أعمالهم التي يكيدون بها الحق، فرجع كيدهم في نحورهم» . فمهما كادوا للإسلام والمسلمين، فكيدهم راجع إليهم، ومهما مكروا بالإسلام والمسلمين فمكرهم عائد عليهم، قال تعالى: {وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 42] ، ثم بين الله تعالى السبب في إضلال أعمالهم فقال تعالى: {ذَلِكَ بَأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ} «أي ما ذكر من التعس والإضلال بسبب {أَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ} من القرآن لِمَا فيه من التوحيد وسائر الأحكام المخالفة لِمَا ألفوه واشتهته أنفسهم الأمارة بالسوء {فَأَحْبَطَ} لأجل ذلك {أَعْمَالَهُمْ} » .