وكان المتبادر أن يبني كل حكم على حكمته، وأن يرتبط وجوده بوجودها وعدمه بعدمها، لأنها هي الباعث على تشريعه والغاية المقصودة منه، لكن رئي بالاستقراء أن الحكمة في تشريع بعض الأحكام قد تكون أمرًا خفيًا غير ظاهر، أي لا يدرك بحاسة من الحواس الظاهرة، فلا يمكن التحقق من وجوده ولا من عدم وجوده، ولا يمكن بناء الحكم عليه ولا ربط وجوده بوجوده وعدمه بعدمه، مثل إباحة المعاوضات التي حكمتها رفع الحرج عن الناس بسد حاجتهم، فالحاجة أمر خفي، ولا يمكن معرفة أن المعاوضة لحاجة، أو لغير حاجة، ومثل إباحة الفطر في رمضان للمريض، حكمتها دفع المشقة، وهذا أمر تقديري يختلف باختلاف الناس وأحوالهم، فلو بني الحكم عليه لا ينضبط التكليف ولا يستقيم.
وكذلك استحقاق الشفعة للشريك أو الجار، حكمته دفع الضرر وهو أمر تقديري غير منضبط، فلأجل خفاء حكمة التشريع في بعض الأحكام، وعدم انضباطها في بعضها لزم اعتبار أمر آخر يكون ظاهرًا أو منضبطًا يبنى عليه الحكم ويربط وجوده بوجوده وعدمه بعدمه ويكون مناسبًا لحكمته، بمعنى أنه مظنة لها وأن بناء الحكم عليه من شأنه أن يحققها، وهو المراد بالعلة في اصطلاح الأصوليين. (مع ملاحظة أن العلة تكون هي الحكمة إن كانت منضبطة، وتكون أمرًا آخر إن كانت الحكمة غير منضبطة) .
-فالفرق بين حكمة الحكم وعلته: هو أن حكمة الحكم هي الباعث على تشريعه والغاية المقصودة منه، وهي المصلحة التي قصد الشارع بتشريع الحكم تحقيقها أو تكميلها، أو المفسدة التي قصد الشارع بتشريع الحكم دفعها أو تقليلها.
وأما علة الحكم: فهي الأمر الظاهر المنضبط الذي بُني عليه الحكم ورُبط به وجودًا وعدمًا، لأن الشأن في بنائه عليه وربطه به أن يحقق حكمة تشريع الحكم.
أمثلة ذلك: قصر الصلاة الرباعية في السفر، حكمته التخفيف ورفع المشقة، وهذه الحكمة أمر تقديري غير منضبط لا يمكن بناء الحكم عليه وجودًا وعدمًا.