وإذا كان الاختلاف حول أمرٍ ما من القوة بمكان بحيث لا يستطيع كلا الطرفين المتنازعين المختلفين إقناع كل منهما الآخر، لا يكون هذا مدعاة للتدابر والتهاجر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تدابروا» ولا مدعاة للظلم والبغي واتهام النوايا وإساءة الظنون لأن الله تعالى يقول: {لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور: 21] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» .
ثالثًا: التلاحم والتآخي عند الأزمة وتقديم المعونات
يظهر ذلك من مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار أمام عدو متربص، فكان المهاجر الفقير أخًا للأنصاري يرثه كأخيه من أمه وأبيه، وأروع الأمثلة في ذلك ما كان من سعد بن الربيع الأنصاري وعبد الرحمن بن عوف من المهاجرين وقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، فقال سعد لعبد الرحمن: أنا أكثر الأنصار مالًا فأقسم لك شطر مالي، ولي زوجتان فانظر إلى أيتهما هويت فأطلقها حتى تنتهي عدتها فتتزوجها، وقد زكى الله تعالى هذا السلوك العظيم فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
ثم في مقابل هذا الكرم والإيثار نجد قمة القناعة والعفة عند عبد الرحمن بن عوف الذي قال لسعد: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فخرج وتاجر وربح حتى أغناه الله من فضله، إنها بركة التلاحم والتآخي.
وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» . [رواه مسلم]