واصطفاء الأزمنة والأمكنة والأفراد هو من شأن الله وحده: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ» [القصص: 68] ، فسجل الله تبارك وتعالى اصطفاء المكرمين الأماجد من خير البرايا؛ كما في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ» [آل عمران: 33] ، ومما ذكر من اصطفاء الأزمنة: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» [القدر: 3] ، «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ» [البقرة: 185] ، وسجَّل من اصطفاء الأمكنة الوادي المقدس في سورة طه، والمسجد الحرام والأقصى الذي بارك حوله في سورة الإسراء، وذكرت السُّنّة مآثر يوم الجمعة وعرفة والعيدين وعاشوراء.
وللناس حول هذه الأيام أضاليل وترهات يبدلون بها نعمة الله كفرًا ورحمته مقتًا ويلبسون الحق بالباطل، وعقائد أولئك الغوغاء حول الأيام والشهور تحتاج إلى كتاب خاص.
فنحن إذًا لا ننكر اصطفاء الله لما يشاء من الناس والأزمنة والأمكنة، وما كان لنا أن نفعل، إذْ هو إذًا الضلال المبين، بيد أننا نشدد النكير على قوم يريدون الدين وفق الهوى، وطوع الرغبة فيبتدعون لأيام فضائل لم تثبت بنص صحيح، ويتركون المرغوب فيه من صالح الأعمال إلى المرغوب عنه من قبيح العقائد والفعال.
نصف شعبان
انصرم عهد الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وانصرمت أيام الخلافة الراشدة ببهائها وطهرها ونقائها خالية من تلك الدعاوى الخاوية الفارغة مُبرأة من هاتيك المبتدعات الكاذبة حتى جاء من بعدهم خلف يبتدع ولا يتبع، ويردد ما لا يعي وينعق بما لا يعقل ولا يفقه. أُناس لم يرتفع بهم الإسلام وإنما ارتفعوا هم به وأحسن إليهم وكانوا عليه وبالًا.
أولئك النفر التعيس