وإذا كانت الجنة مفتحة أبوابها فإن النار في هذا الشهر من فضل الله تغلق الأبواب إشارة إلى أنها تزجر العصاة، فاتقوا ربكم، واغتنموا هذا الوقت الذي جعله الله موسمًا للتوبة والرجوع إليه سبحانه.
وإشارة أيضًا إلى أن الإنسان يستطيع أن يتغلب على أبواب النار إذا استطاع أن يتغلب على شهواته، والنبي صلى الله عليه وسلم قالها لنا: «حُفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» . فمن أراد الجنة فعليه أن يحمل نفسه على ما تكره لكي تتحول من نفس أمارة بالسوء إلى نفس مطمئنة تطمئن إلى دين الله وشرعه، وإلى عبادة الله، وهذا يحتاج إلى مجاهدة، والصوم سبيل من سبل هذه المجاهدة، وكذلك يحمل نفسه على ألا تتجاوز الحدود وتتخطى العقبات التي توردها المهالك، التي تسوق إلى النار فيحرص الإنسان في هذا الشهر على أن يكبح جماح النفس، وأن يكبح جماح الشهوة، فيمنع نفسه عن الطعام والشراب والجِماع في نهار رمضان.
سبحان الله! يمنع نفسه عن طعامه وقد أحله الله تبارك وتعالى له، يمنع نفسه عن الشراب الحلال، يمنع نفسه عن الزوجة وقد أحلها الله له ليدرب نفسه إذا دعته إلى معصية كيف يمنعها وكيف يلزمها أن تمتنع، إذا كنت قد ألزمت نفسي أن تمتنع عما أحله الله وللنفس فيه حاجات وحاجات فكيف أعجز عن الامتناع عما حرم الله، وهو باب لإهلاك النفس وطغيانها وليس للنفس المستقيمة فيه حاجة.
إن الصوم مدرسة لتعليم التقوى، ولهذا قال ربنا: «لعلكم تتقون» ، فإذا اتقينا كان أعظم ما نتقيه أن نتقي النار وأسباب العذاب، فكأني بالنار تدعو الناس إلى ذلك فتغلق أبوابها، وتصفد الشياطين ومردة الجان ولا يقولن قائل فما بالنا نرى المعصية، ولكن ليقل ما بالنار نرى في رمضان صحوة لا نراها في غيره؟ إنه سبب من أسباب إغلاق النار وتصفيد الشياطين.