والمسلم إنما يأتي بهذه العبادات ابتغاء ثواب الله عز وجل والفوز بالجنة، وانظر حال الصديق رضي الله عنه عندما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه وسؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ فيطمع الصديق رضي الله عنه أن تدعوه خزنة كل باب من أبواب الجنة الثمانية، وفي هذا تصور لتنافس هؤلاء الخزنة على العاملين الصالحات في الدنيا من المؤمنين، فيطمع كل خزنة باب في دخول هؤلاء من بابهم، ويجيب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الجواب الشافي الذي يُطَمْئِنُ فؤادهُ رضي الله وفؤاد كل مؤمن: «نعم» أي يُدْعَى المؤمن من تلك الأبواب جميعها، ثم يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر» . قال الحافظ في الفتح: قال العلماء: الرجاء من الله ومن نبيه واقع، وبهذا التقرير يدخل الحديث في فضائل أبي بكر رضي الله عنه، ووقع في حديث ابن عباس عند ابن حبان في نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر ولفظه: «قال أَجَلْ وأنت هو يا أبا بكر» . قال: وفي الحديث من الفوائد إشعارٌ بقلة من يُدْعَى من تلك الأبواب كلها، وفيه إشارة إلى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها، لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها، بخلاف التطوعات فقل من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوعات، ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله يكون من باب واحد، ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه، والله أعلم.
ولا يعارض هذا ما أخرجه مسلم عن عمر رضي الله عنه: «من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله ... » الحديث، وفيه: «فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء» لأن هذا يحمل على أنها تفتح له على سبيل التكريم، ثم عند دخوله لا يدخل إلا من باب واحد كما تقدم، والله أعلم.