ولا يتعارض حديث ابن عباس السابق مع أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالمعروف وإن لم تعمله كما في حديث أبي هريرة الذي قال فيه: قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله؛ لئن لم نأمر بالمعروف ونَنْهَ عن المنكر حتى لا يبقى من المعروف شيءٌ إلا عملنا به، ولا يبقى من المنكر شيءٌ إلا انتهينا عنه؛ لا نأمر بمعروف ولا ننهي عن منكر. فقال صلى الله عليه وسلم: «مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله» .
قال الإمام أحمد: فيه طلحة بن عمرو المكي؛ ضعيف في الحديث، فإن صح هذا لا يخالف ما مضى، فإنه فيمن يكون الغالب عليه الطاعة وتكون المعصية منه نادرة ثم يتداركها بالتوبة، والأول فيمن يكون الغالب عليه المعصية وتكون الطاعة منه نادرة والله أعلم. [شعب الإيمان للبيهقي]
تنبيه: ظهر من كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن من كان الغالب عليه طاعة الله ورسوله، والمعصية منه نادرة؛ فعليه أن يجتهد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا ينتظر أن يعصم من جميع الذنوب، فلا عصمة إلا للأنبياء، وكل ابن آدم خطاء.
الوعيد بالعقاب من الله لمن رأى المنكر ولم يغيره
أما من كان الغالب على حاله المعصية، ونادرًا ما يعمل الطاعة، فهذا يقال له: ابدأ بنفسك كما قال ابن عباس لسائله، ويقال له قول الله سبحانه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} .
لكن تجدر الإشارة إلى أنه لا يصلح ـ بناءً على ما تقدم ـ كلما توجه إليك ناصح أو مرشد أو آمر بمعروف أن تبادره بقولك: ابدأ بنفسك ويكون ذلك مدعاة لرفض دعوة الخير والهروب من الاستفادة من الوعظ والعمل بالنصيحة، ومصادرة جهود الدعاة والمصلحين، أو الانتقاص من قدرهم، فإن ذلك كله من فساد الطبع وسوء الخلق، وعدم قبول الحق، والله تعالى يقول: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف] .