وقد جمع الله شمل الأمة بعد الفتنة بتنازل الحسن بن علي - رضي الله عنه - عن الخلافة لمعاوية - رضي الله عنه - عام الجماعة (41هـ) ، وقد ضاق أهل الأهواء - ولا يزالون - ذرعًا بهذا الصلح العظيم.
ثم إن الصحابة الذين اجتهدوا وشاركوا في تلكم الأحداث قليل، ودعوى أن عامة الصحابة شاركوا ليست صحيحة، وهي من افتراءات الإخباريين وأوهام الناس، فقد أخرج الخلال في السنة بالسند السابق، قال: «قرئ على عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: ثنا إسماعيل قال: ثنا أيوب عن محمد بن سيرين، قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف فما حضر فيها مائة بل لم يبلغوا ثلاثين» .
وقال: «قرئ على عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي قال: ثنا سفيان، قال: ثنا منصور بن عبدالرحمن، قال: قال الشعبي: لم يشهد الجمل من أصحاب النبي - عليه السلام - غير عليّ وعمار وطلحة والزبير فإن جاوزوا بخامس فأنا كذاب» .
وربما كان يقصد بعض مشاهد الجمل، إذ قد حضرها الحسن والحسين وعائشة- رضي الله عنهم أجمعين-.
وقال شيخ الإسلام: «ولهذا لم تحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة، فلما قتل وتفرق الناس حدثت بدعتان متقابلتان: بدعة الخوارج المكفرين لعلي، وبدعة الرافضة المدعين لإمامته وعصمته، أو نبوته أو إلاهيته» .
بدعة المرجئة والقدرية
ثم لما كان في آخر عصر الصحابة، في إمارة ابن الزبير وعبد الملك، حدثت بدعة المرجئة والقدرية، ثم لما كان في أول عصر التابعين في أواخر الخلافة الأموية حدثت بدعة الجهمية المعطلة والمشبهة الممثلة، ولم يكن على عهد الصحابة شيء من ذلك.
والذين بقوا من الصحابة بعد ظهور الفرق لم يقع من أحد منهم افتراق، ولا بدع مخرجة عن السنة، بل كانوا إلبًا على الأهواء والبدع.
وكذلك كان التابعون وتابعوهم وسائر السلف الصالح والحمد لله على توفيقه.