فالنصارى في ذلك بين أمرين: إما أن يقولوا: إنه محمد صلى الله عليه وسلم، وإما أن يقولوا: إن المسيح أخلف قوله ولم يفِ بوعده وترَكَهم أيتامًا بغير نبي يتكفل بأمورهم ولم يأتهم عن قريب كما وعد، وقوله: «بأنه لم يطق العالم أن يقبلوه لأنهم لم يعرفوه» يريد أنه يأتي في زمن الغالب على أهله عبادة الأوثان وتعظيم الصلبان، وكان هذا هو الواقع عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولما جاء بالتوحيد الذي لم يعرفوه تمسكوا بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم من عبادة غير الله تعالى، وقالوا كما حكى القرآن عنهم: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 50] ، وقد أطلق عيسى عليه السلام كلمة روح الحق هنا على النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه المبلغ عن الله الحق الذي أنزل عليه، كلما أطلق الله على جبريل عليه السلام روح القدس في قوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}
[النحل: 102]
ومعناه: الطاهر من كل ما لا يليق (3) ، وهذا يفيد أن القرآن ليس مفترى، وإنما هو من عند الله نزل به الروح الأمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 - 195] .