ومن علامة سعادة ورثة الكتاب أن يقوموا بما أمرهم الله ولا يكتموه، ومن علامات الشقاوة أن يكون العالم مُخلدًا للبطالة، غير قائم بما أمر الله به ولا مبال بما استحفظ عليه، وقد أهمله وأضاعه بل حرَّفه وبدَّله واشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا في الدنيا، وهذا ما وقع فيه بنو إسرائيل وقوعًا تامًا، وقد بينا ذلك فيما سبق بوضوح، وقد حذرنا الله - سبحانه - أن نقع فيما وقع فيه بنو إسرائيل، ومع ذلك فقد وقع في أمتنا ما وقع في بني إسرائيل على مستوى العلماء والعوام، وعلى مستوى الشبهات والشهوات، وقد ذكرنا جانبًا من ذلك في مقالنا السابق مباشرة واليوم آن الآوان أن نستكمل معك الموضوع ونبدأ مع الإمام القرطبي - رحمه الله - حيث قال عند تفسير الآية السالفة الذكر: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ ... } قال رحمه الله: «وهذا الوصف الذي ذمّ الله تعالى به هؤلاء موجود فينا» . واستدل على قوله هذا بأثر موقوف على الصحابي الجليل معاذ بن جبل رحمه الله: «سبيلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت يقرؤونه لا يجدون له حلاوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف إن قصَّروا قالوا سنبلغُ، وإن أساءوا قالوا سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئًا» .
[أخرجه الدارمي في فضائل القرآن - باب تعاهد القرآن]
أصل الداء:
نشير هنا إلى أمر هام ألا وهو أن القضية الأساسية ليست في وقوع القوم في المعاصي أو تقصيرهم في طاعة الله، إنما المشكلة في زعمهم أن الله سيغفر لهم مع تقصيرهم في طاعة الله واستمرارهم على المعصية.
ثم لم يتوبوا ولا هم يستغفرون، وإنما نشأ ذلك من ضعف العلم وغفلة استولت على القلب وطمست البصيرة، أوصلت القوم إلى التقول على الله بغير علم، وإحسان الظن بأنفسهم مع سوء الظن بالله.