وعائشة رضى الله عنها، تتحدث عن نفسها وعن نساء الصحابة ذلك الوقت، عندما قالت وهى حاجّة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَكنّا [ «نا» هنا للجمع لها ولنساء الرسول صلى الله عليه وسلم، ولنساء الصحابة] في ذلك الحج نكشف عن وجوهنا، فإذا حاذينا الرجال، سدلنا الحجاب على وجوهنا، فإذا جاوزونا كشفناه، وهذا الحج هو حج الوداع.
وفى رواية: قالت: «كان الركبان يمرّون بنا ونحن محرمات مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها، فإذا جاوزونا كشفناه» (1) وهذا تطبيق عمليّ من نساء الصدر الأول، ومسارعة في الفهم، وهنّ القدوة، وبحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع، مع أن إحرام المرأة في وجهها، فكان تغطيته عند محاذاة الركبان، ولم يعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة من محظورات الإحرام، التى تستوجب الكفارة؛ مما يدل على وجوب ستر الوجه، مع أن المشروع في إحرام المرأة كشفه، وما ذلك إلا بوجود مانع قويّ بالتغطيه امتثالًا لأمر الله في الحجاب.
ولما كان كثير من أهل العلم يرون كشف الوجه من واجبات الإحرام، فإن عمل عائشة رضى الله عنها ونساء الصحابة وأمهات المؤمنين، بالاحتجاب، وتغطية الوجه عند محاذاة الركبان، لا يعتبر مخالفة لمقتضيات الإحرام، وإنما عارضه ما هو أقوى منه دليلا، وأوجب في حق المرأة، وهنّ إذا لم يؤمرن صراحة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أقرهن، ومعلوم أن السنة النبوية في قوله وإقراره وعمله صلى الله عليه وسلم .. وستر الوجه جاء فيه القول والإقرار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في فتاواه: وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن المرأة المحرمة تنهى عن النقاب والقفّازين، وهذا مما يدل على أن النقاب والقفّازين، كانا معروفين في النساء الّلاتى لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن.