هو صلى الله عليه وسلم أجودُ الناس وأكرمُهم وأسخَاهُم عطاءً، يعطِي عطاءَ من لا يخشى الفقر، زهِد في هذه الدنيا زُهدًا لا نظيرَ له ولا مثيل، يمرّ الشهر والشهران وما أُوقِد في أبياتِه نارٌ، إنما عيشُه الماء والتَّمر، متواضعٌ، متقشِّفٌ، يدخل عليه الفاروق يومًا فيجده صلى الله عليه وسلم جالسًا على حصيرٍ عليه إزارٌ ليس عليه غيرُه، وقد أثَّر في جنبه، ويرَى قليلًا من الشعير في مسكنِه، فيبكي عمر، فيسأله النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن سببِ بُكائه فيقول: يا نبيَّ الله، ما لي لا أبكي وهذا الحصيرُ قد أثَّر في جنبك، وهذه خزانتُك لا أرى فيها إلاّ ما أرى من الشعير، وذاك كِسرى وقيصَر في الثمار والأنهار، وأنت نبيُّ الله وصفوته، وهذه خزانتك؟! فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «أمَا ترضى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدنيا؟!» .
كرامتُه للإنسان بلَغَت مبلغًا عظيمًا وشأنًا كَبيرًا، قال أنس: خدمتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سِنين ما قال لي: أفّ قط، وما قال لشيء صنعتُه: لم صنعته؟ ولا لشيءٍ تركتُه: لم تركتَه. يقِف للصّغيرِ والكبيرِ والذّكر والأنثَى حتى يسمَعَ كلامَه ويَعرِض مسألته ويقضِي حاجته، يزور المرضى ويخالِط الفقراء ويصادِق المساكين، بعيدٌ عن التكبّر والتفاخر والتباهِي، قالت عائشة: كان صلى الله عليه وسلم يخصِف نعلَه ويخيط ثوبَه ويعمَل بِيَده كما يعمَل أحدُكم في بيته وكان بَشرًا من البَشَر، يفلِي ثوبَه ويحلب شاتَه ويخدم نفسه، وتقول أيضًا: ما عَاب رسول صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهَاه أكَلَه وإن لم يشتهيهِ سكَت، وما ضرَب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قَطّ بيَدِه ولا امرأةً ولا خادِمَه إلا أن يجاهِدَ في سبيل الله، وما نِيل منه شيءٌ قطّ فينتقم من صاحبِه إلا أن يُنتهَك شيء من محارم الله فينتقم لله.