كما يؤكد اقتصار جانب التشابه على ما يتعلق من الصفات بالكيف، ما أورده الإمام الذهبي عن واعظ زمانه منصور بن عمار، فقد كتب إليه بشر المريسي يسأله عن قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، كيف استوى؟ فكتب إليه منصور:"استواؤه غير محدود والجواب فيه تكلف ومسألتك عن ذلك بدعة والإيمان بجملة ذلك واجب، قال الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] "، فاستشهاده في مقام الحديث عن الكيف، بالآية الدالة على أن تتبع المتشابه هو دأب الذين في قلوبهم زيغ، دلالة واضحة على أن ما يتعلق بهذا الجانب هو مما استأثر الله بعلمه، وأن ما عدا ذلك هو مما يجب الإحاطة بعلمه والوقوف على معرفته وأن هذا من فقه الآية، وذلك بعينه ما عناه مالك بقوله الاستواء معلوم والكيف مجهول.
ويفاد مما ذكر أن التأويل في الآية الكريمة: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} [آل عمران: 7] ، منفي ومثبت، فالمنفي هو تأويل الأخبار التي لا يعلم حقيقة مخبرها إلا الله، ونفي علم تأويلها ليس نفيًا لعلم معناها المثبت، إنما هو نفي علم حقيقتها وكنهها كما في القيامة وموعود الجنة وسائر ما اختص الله بعلمه كأعيان الرياح ومقاديرها وصفاتها، أما المثبت فهو بيان ذلك ومعرفة معناه والمقصود منه، والكلام في تأويل آيات الصفات هو فرع عن تأويل الآيات المحكمات، والناس متفقون على أنهم يعرفون تأويل المحكم ومعلوم أنهم لا يعرفون كيفية ما أخبر الله به عن نفسه في الآيات المحكمات، فدل ذلك على أن الصفات كلها معلومة فهي من المحكم ولم يغب ولم يحجب عنا إلا كيفيتها، وهذا هو جانب المتشابهات منها، وعدم العلم بالكيفية لا ينفي العلم بالتأويل الذي هو تفسير الكلام وبيان معناه.