وحول هذا المعنى قال الشيخ السعدي في تفسيره عند هذا الموضع: «ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه مع إمكانه من الانتفاع به فلم ينتفع، ابتلي بالاشتغال بما يضرُّه، فمن ترك عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله، أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذلَّ لربه ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل، كذلك هؤلاء اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان، حيث أخرجت الشياطينُ للناس السحر وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله، وبه حصل له الملك العظيم، وهم كذبة في ذلك، وقد نزه الله سبحانه سليمان عن ذلك» . اهـ مع تصرف يسير.
ثانيًا: المعنى الإجمالي للآيات الكريمة وهو ملخص للقصة كما اتفق عليه كثير من أهل التفسير سلفًا وخلفًا، ولعله خلاصة الراجح في القصة، واتبع اليهود ما تُحَدِّث الشياطين به السحرة على عهد سليمان عليه السلام، وما كفر سليمان وما تعلم السحر، ولكن الشياطين هم الذين كفروا بالله حين علموا الناس السحر؛ إفسادًا لدينهم.
وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أُنزل على الملكين هاروت وماروت بأرض بابل بالعراق والذي جعله الله ابتلاءً منه لعباده.
والملكان لا يعلمان أحدًا السحر حتى ينصحاه ويحذراه من تعلّم السِّحر ويقولا له: لا تكفر بتعلُّم السحر وطاعة الشياطين، فيتعلم الناس من الملكين ما يُحْدِثون به الكراهية بين الزوجين حتى يتفرقا.