الجزاء الأخروي لا يمنع الجزاء الذي يوقعه الحاكم على المخالف
وهذا من أعظم الزواجر للنفوس المؤمنة عن المخالفة والعصيان، وربنا جل وعلا أحق أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر. والجزاء الأخروي لا يمنع الجزاء الذي يوقعه الحاكم على المخالف لأحكام الإسلام. والجزاء في الدنيا أيضًا لا يمنع الجزاء في الآخرة عن المخالف العاصي إلا إذا اقترنت معصيته بالتوبة النصوح، فلا إصرار على الذنب، بل يندم على ما مضى ويعزم على عدم العودة فيه مرة ثانية وقبل أن يندم بالقلب ويستغفر باللسان ويقلع بالجوارح والمؤمن يعلم أنه لو أفلت اليوم من الجزاء الدنيوي فلن يفلت غدًا من الله مالك الدنيا والآخرة والخلق خلقه والعبد عبده والأمر أمره وليس يخرج من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلي ملك غيره ولهذا يذهب هو بنفسه لإقامة الحد عليه ولاستيفاء الحق منه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في رواية لعمران بن حصين ـ رضي الله عنهما ـ في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الصلاة على الغامدية قال له عمر: يا رسول الله أتصلي على هذه الزانية؟ قال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم» . وفي رواية بريدة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم الغامدية فرجموها فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مهلًا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفر له» ، ثم أُمر بها وصلى عليها ودفنت. ونطاق الجزاء في الإسلام واسع وشامل شمول الإسلام لجميع شئون الحياة، ومن ثَمَّ تعلق الجزاء في الإسلام بمسائل العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات فكل مخالفة لهذه الأمور لها جزاؤها في الآخرة، وقد يكون لهذا جزاء في الدنيا أيضًا.