تكاد كلمة الأصوليين تلتقي على أن القول بالمصالح المرسلة أمر مختلف فيه، وأن الراجح من الآراء أنه لا يصلح للاستدلال به، إذ لا دليل على اعتباره وأنه لم يذهب إلى القول به إلا الإمام مالك، بيد أن من يتتبع الكتب الفقهية في المذاهب الثلاثة الأخرى يتبين له أنهم جميعًا كانوا كثيرًا ما يستنبطون الأحكام الاجتهادية على وفق المصالح المرسلة، غاية الأمر أنهم لم ينصوا على اسم المصالح المرسلة في جملة ما نصوا عليه من المصادر التي اعتمدوها في الاجتهاد، بل اعتبروه معنى من معاني القياس أو الاستحسان، فالمصالح المرسلة أحد مصادر الفقه عند الأئمة الأربعة، مادامت ملائمة لتصرفات الشرع بأن عهدت في الشرع ملاحظة جنسها دون دليل معين وإن كان الإمام مالك يتوسع في الأخذ بها أكثر من غيره، حتى إن القول بها أصبح منسوبًا إليه، وخالف في اعتبار المصالح المرسلة حجة الظاهرية وبعض الشافعية وغيرهم ولكل دليله.
أدلة القائلين بالمصالح المرسلة:
1 -أن الشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد، دلت على ذلك نصوص الشريعة وأحكامها المختلفة، فالأخذ بالمصلحة المرسلة يتفق وطبيعة الشريعة والأساس الذي قامت عليه والغرض الذي جاءت من أجله. قال الشاطبي في الموافقات: «والشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ودرء المفاسد عنهم» .
2 -أن مصالح الناس ووسائلهم إلى هذه المصالح تتغير باختلاف الظروف والأحوال والأزمان ولا يمكن حصرها مقدمًا ولا لزوم لهذا الحصر ما دام الشارع قد دل على رعايته للمصلحة، فإن لم نعتبر منها إلا ما جاء الدليل الخاص باعتباره نكون قد ضيقنا واسعًا، وفوتنا على الخلق مصالح كثيرة، وهذا لا يتفق مع عموم الشريعة وبقائها، فيكون المصير إليه غير صحيح.
3 -أن العمل بالمصالح المرسلة مما لا يتم الواجب إلا به فيكون واجبًا.