يقول الإمام أبو بكر محمد بن الحسن القيرواني بعد أن ساق قول ابن جرير وأبي محمد بن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب وجماعة من شيوخ الفقه والحديث: «وأطلقوا على بعض الأماكن أنه فوق عرشه .. وهذا هو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكن في مكان ولا كون فيه ولا مماسة» ، ويقول الحافظ الذهبي في تعليقه على ما ذكره الإمام أبو بكر القيرواني في عدم التعرض لمثل هذا: «سلب هذه الأشياء وإثباتها مداره على النقل، فلو ورد شيء بذلك نطقنا به وإلا فالسكوت والكف أشبه بشمائل السلف، إذ التعرض لذلك نوع من الكيف وهو مجهول، وكذلك نعوذ بالله أن نثبت استواءه بمماسة أو تمكن، بلا توقيف ولا أثر، بل نعلم من حيث الجملة أنه فوق العرش كما ورد النص» (10) ، ورحم الله أبا حنيفة حين صب لعنته على من فتح هذا الباب وابتدع هذه الطريقة، فقد قال لما سُئل عن الكلام في الأعراض والأجسام: «لعن الله عمرو بن عبيد، هو فتح على الناس الكلام في هذا» (11) .
وهذا كله يعني أن لآيات الصفات وأحاديثها جانبًا لا يسوغ الخوض فيه، وهو المتعلق بكنه الصفة وكيفية قيامها به سبحانه، وجانبًا آخر يجب الوقوف على معرفته لكونه غير منفي المعنى، وما على المؤمن إلا أن «ينظر إلى مولاه من فوق عرشه بقلبه- على حد قول العلامة أبي محمد الجويني والد إمام الحرمين في بيان أثر العقيدة في قلب المؤمن بها- مبصرًا من وجه، أعمى من وجه، مبصرًا من جهة الإثبات والوجود والتحقيق، أعمى من جهة التحديد والحصر والتكييف، فإنه إذا عمل ذلك وجد ثمرته إن شاء الله تعالى، ووجد نوره وبركته، عاجلًا وآجلًا» (12) .