فهرس الكتاب

الصفحة 12661 من 18318

ويؤكد ابن تيمية هذه الحقيقة فيقرر أن قول ربيعة ومالك (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب) موافق لقول الباقين: (أمروها كما جاءت بلا كيف) ، فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة ولا ظاهر معناها لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبت الصفات، وأيضًا فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج أن يقول (بلا كيف) ، فمن قال: (إن الله ليس على العرش) لا يحتاج أن يقول (بلا كيف) (14) وهذا بالطبع شأن جميع ما وصف الله به نفسه .. وقد ذكر البخاري في صحيحه بعضها في آخر كتاب (الرد على الجهمية) ، وقال الترمذي في سننه: «قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال: (كيف) » (15) ، وهؤلاء أبو داود في سننه وابن ماجة، وكذلك مسلم في صحيحه والنسائي في سننه وغيرهم من أهل الحديث، ساقوا أحاديث الصفات وأمروها كما جاءت ولم يتعرضوا لها بكيف ولا تأويل (16) .

فلو كان مراد هؤلاء جميعًا تفويض المعنى في الصفات أو كانوا لا يعتقدون لها معنى، أو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: (أمروها كما جاءت بلا كيف) ، إذ قولهم هذا يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها إنما جاءت ألفاظًا دالة على معانٍ، ولمَا قالوا: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول) لأن الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم، ولقالوا: (أمروا لفظها ولا تتعرضوا لمعناها) أو (أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد) أو (أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقته) ، وبذا تكون قد أُمِرَّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ (بلا كيف) ، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول (17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت