ولقد كان أبو عبيدة- رضي الله عنه- من قادة الجيوش في عهد رسول الله صلى الله عليه سلم ثم في عهد أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما-، فقد استعمله النبي صلى الله عليه سلم غير مرة، منها المرة التي جاع فيها عسكره، وكانوا ثلاثمائة، فألقى لهم البحر الحوت الذي يقال له العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة! ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله، وفي سبيل الله فكلوا، وذكر الحديث وهو في الصحيحين والموطأ والمسند والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ولما تفرغ الصديق- رضي الله عنه- من حرب الردة، وحرب مسليمة الكذاب جهز أمراء الأجناد لفتح الشام، فبعث أبا عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشُرَحْبِيلَ بن حسنة، فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة، ونصر الله المؤمنين فجاءت البشرى والصديق في مرض الموت، ثم لما توفي أبو بكر وتولى عمر الخلافة عزل خالد بن الوليد وولى قيادة الجيوش التي بالشام أبا عبيدة- رضي الله عنه-، ثم لما كان طاعون عمواس توفي فيه أبو عبيدة- رضي الله عنه-، وكانت وفاته سنة ثماني عشرة، وله ثمان وخمسون سنة، قاله أبو حفص الفلاس، وقال: وكان يخضب بالحناء والكتم، وكان له عقيصتان كما نقله الإمام الذهبي في السير، وقال: وقال كذلك في وفاته جماعة، وانفرد ابن عائذ عن أبي مسهر أنه قرأ في كتاب يزيد بن أبي عبيدة أن أبا عبيدة توفي سنة سبع عشرة.
ثانيًا: شرح الحديث:
قوله: «جاء السيد والعاقب صاحبا نجران» قال الحافظ: أما السيد فكان اسمه الأَيْهَمَ، ويقال: شُرَحْبيل، وكان صاحبَ رحالهم ومجتمعهم ورئيسَهم في ذلك، وأما العاقب فاسمه عبد المسيح، وكان صاحبَ مشورتهم، وكان معهم أيضًا أبو الحارث علقمة، وكان أسقفهم وحبرهم وصاحب مدارسهم، ونجران: بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن، وذكر أن ابن سعد قال: كان النبي صلى الله عليه سلم كتب إليهم فخرج إليه وفدهم في أربعة عشر رجلًا من أشرافهم، وعند ابن إسحاق أيضًا من حديث كرز بن علقمة أنهم كانوا أربعة وعشرين رجلًا وسرد أسماءهم.