وقوله تعالى: {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} فيه للعلماء قولان: الأوّل: أنّ الإنسان لم يقم بما أمره الله به حقّ القيام، بل هو مقصر أبدًا، وتقصير العاصي ظاهر، أما المطيعُ فإنّه مهما اجتهد في الطاعة فهو مقصرّ، لأن حقّ الله عظيم، وقد أعلم اللهُ عباده بذلك فقال في آخر سورة المزمل: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} ، ثم قال سبحانه: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} [المزمل: 20] ، فإنكم مقصرون وإنْ أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأقرضتم الله قرضًا حسنًا، وقرأتم القرآن، فإنكم مقصرون، فاستغفروا الله.
بل أصرحُ من ذلك أنّ الله تعالى جمع بين الأمر بالاستقامة والأمر بالاستغفار، فقال: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6] .
والقول الثاني: أن قوله تعالى: {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} متعلّق بما قبله، وهو قوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} والمعنى: أنه لم يتمّ بعدُ ما سبق به قضاءُ الله مما أمر أن يكون، فلذلك لا ينشر الناس ولا يبعثهم ولم يقضِ ما أمره، بل يؤخّر بعثهم حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ويومها يتحقق وَعْدُ الله بالبعث والنشور.