وهو الذي كل معاني العلو ثابتة له، فعلوه عز وجل علو قهر إذ لا مغالب له ولا منازع وكل شيء تحت سلطان قهره، كما أنه علو شأن لكونه المتعالي عن جميع النقائص والعيوب المنافية لإلهيته وربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فقد تعالى في أحديته عن الشريك والظهير والولي والنصير، وتعالى في عظمته وكبريائه وجبروته عن الشفيع عنده بدون إذنه والمجير، وتعالى في صمديته عن الصاحبة والولد والوالد والكفؤ والنظير، وتعالى في كمال حياته وقيوميته وقدرته عن الموت والسِّنةِ والنوم والتعب والإعياء، وتعالى في كمال علمه عن الغفلة والنسيان وعن عزوب مثقال ذرة عن علمه في الأرض أو في السماء، وتعالى في كمال حكمته وحمده عن الخلق عبثًا وعن ترك الخلق سدى بلا أمر ولا نهي ولا بعث ولا جزاء، وتعالى في كمال غناه عن أن يُطعَم أو يُرزَق أو أن يَفتقر إلى غيره في شيء، وتعالى في صفات كماله ونعوت جلاله عن التعطيل والتمثيل.
كذا ثابت له بالكتاب والسنة وإجماع الملائكة والأنبياء والمرسلين وأتباعهم على الحقيقة من أهل السنة والجماعة، العلو والفوقية .. فهو جل جلاله كما أنبأ عن نفسه مستو على عرشه عال على خلقه بائن منهم، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم لا تخفى عليه منهم خافية، وأدلة ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى وأجلُّ من أن تستقصى، والفطر السليمة والقلوب المستقيمة مجبولة على الإقرار بذلك لا تنكره .. ولا منافاة بين قربه سبحانه وبين علوه، فإنه المتصف في دنوه بجميع معاني العلو ذاتًا وقهرًا وشأنًا، فيدنو تعالى من خلقه بكيفية لا يعلمها إلا هو كيف يشاء، وينزل إلى السماء الدنيا في آخر كل ليلة وعشية عرفة وغير ذلك كيف يشاء، ويأتي لفصل القضاء بين عباده كيف يشاء، وليس ذلك منافيًا لفوقيته ولا لاستوائه على عرشه فإنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.