قال الأعرابي: إن حاسبني ربي على ذنبي حاسبته على مغفرته، وإن حاسبني على معصيتي حاسبته على عفوه، وإن حاسبني على بخلي حاسبته على كرمه.
فبكي النبي صلى الله عليه سلم حتى ابتلت لحيته.
فهبط جبريل على النبي صلى الله عليه سلم وقال: «يا محمد، السلام يقرئك السلام ويقول لك: يا محمد قلل من بكائك فقد ألهيت حملة العرش عن تسبيحهم، وقل لأخيك الأعرابي لا يحاسبنا ولا نحاسبه فإنه رفيقك في الجنة» . اهـ.
خامسًا: التحقيق:
قلت: وعلامات الوضع ظاهرة على هذا الخبر الذي جاءت به هذه القصة الواهية بما فيها من حديث نبوي منسوب كذبًا وبهتانًا إلى النبي صلى الله عليه سلم وبما فيها من حديث قدسي منسوب كذبًا وبهتانًا إلى رب العزة.
وهذه العلامات من الوضع ظاهرة كما بينها الإمام ابن القيم في «المنار المنيف» فصل (22) حيث قال:
أ- «وما يقترن بالحديث من القرائن التي يعلم بها أنه باطل» ، فمن هذه القرائن التي يعلم بها أن القصة باطلة:
1 -حدوث هذا الحوار الطويل في الطواف.
2 -وقول الأعرابي: «إن حاسبني الله لأحاسبنه» .
3 -إقرار رسول الله صلى الله عليه سلم على هذا وبكاؤه صلى الله عليه سلم.
4 -حملة العرش ألهاهم النبي صلى الله عليه سلم عن تسبيح ربهم.
5 -هبوط جبريل على النبي صلى الله عليه سلم بقول الله تعالى: «قل لأخيك الأعرابي لا يحاسبنا ولا نحاسبه» .
ب- وقال الإمام ابن القيم من علامات الوضع أيضًا: «أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه» .
قُلْتُ: ولقد بينا من القرائن والشواهد في الحديث الذي جاءت به القصة ما يدل على بطلانه وأن هذه القصة من وضع المتصوفة ولا أصل لها.
ثم قال الإمام ابن القيم من دلائل الوضع «مخالفة الحديث صريح القرآن» .
أ- قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] .
ب- وقال تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] .