اختلف الفقهاء فيمن عرَّض بذلك، فقال مثلاً لأخيه: أنا لست بزانٍ، أو قال: ليس أبي بزانٍ ولا أمي بزانية، يريد التعريض به، أو بأبيه وأمه، أو قال له كلمة يُفهم منها اتهامه بالزنا، أو اتهام أمه أو أبيه، فقال جماعة من الفقهاء: لا حدَّ عليه؛ لأن الله عز وجل فرَّق بين التصريح والتعريض، فأباح التعريض في الخطبة دون التصريح {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} «البقرة: 235» .
ولأن في التعريض احتمالاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادرأوا الحدود بالشبهات» . وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي وآخرون.
ومنهم من قال: إذا ظهرت قرينة تعين إرادة القاذف بالزنا أو اللواط كان عليه الحد، وهو قول مالك وأصحابه، ونقل هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما بالموطأ عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن رجلين استبِّا في زمان عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية.
فاستشار عمر في ذلك، فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحد، فجلده عمر الحد ثمانين جلدة.
ومن رأى أنه لا حدَّ عليه أوجب التعزير، أي أن الحاكم يؤدبه جزاء تعريضه.
هل يجوز قذف من سبق لَهُ أَوْ لَهَا الزنا؟
وذلك ببينة أو إقرار، قالوا: لا حدَّ عليه لأنه صادق، ولأن إحصان المقذوف قد زال بالزنا، ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} ، فهذا يدل بمفهوم المخالفة على أن من رمى غير محصنة لا حدَّ عليه، ولكن يلزم تعزيره (تأديبه) لأنه رماه بفاحشة ولم يثبتها، ولا يترك عرض من ثبت عليه الزنا سابقًا مباحًا لكل من شاء أن يرميه بالزنا دون عقوبة رادعة.