ومع عظم هذا الذنب وقبحه، إلاَّ أن الله تعالى لا يغلق باب التوبة في وجه مرتكبيه بل يفتحه لهم، قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} «آل عمران: 89» .
والتوبة في هذا الموضع: أن يكذب القاذف نفسه، ويقرّ أنه كاذب فيما قال، وهو واجب عليه أن يكذب نفسه ولو تيقن وقوعه، حيث لم يأت بأربعة شهداء، وقال آخرون: توبته أنه يصلح من حال نفسه ويكف عن سب الناس والخوض في أعراضهم، ويبادر إلى الطاعات وإن لم يكذب نفسه في القذف الذي جلد به ثمانين جلدة، وحسبه الندم عليه والاستغفار منه وترك العود إليه.
فإذا تاب القاذف وأصلح عمله وبدل إساءته إحسانًا زال عنه الفسق، فالجمهور على إزالة وصف الفسق عنه، الذي ترد به شهادته فتقبل شهادته، فإن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب وأناب، ويرى أبو حنيفة أنه لا تقبل شهادته أبدًا وإن تاب، وخلافهم يرجع إلى خلاف مفهوم الاستثناء في قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} .
هل الاستثناء راجع إلى الأمرين معًا (أي عدم قبول الشهادة والحكم بالفسق) ، أو راجع إلى الأمر الأخير (أقرب مذكور) وهو الحكم بالفسق، فمن قال: إن الاستثناء راجع إلى الأمرين معًا (أي عدم قبول الشهادة والحكم بالفسق) ، قال بجواز قبول الشهادة بعد التوبة، ومن قال إنه راجع إلى الحكم بالفسق فقط قال بعدم قبولها مهما كانت توبته.
بم يثبت حد القذف؟
ويثبت حد القذف بالإقرار، والبينة: وهي شهادة رجلين عدلين على أنه رمى فلانًا أو فلانة بالزنا.
عفة المقذوف: فإن رماه أو رماها بالزنا أو اللواط ولم يكن له شهود بذلك، جلد من قذفه حد القذف ما لم يأت بأربعة شهداء، حتى وإن رآه بعينه.
فإن كان المقذوف مشهورًا بالزنا أو اللواط، لم يكن على قاذفه الحد، ولكن يجب أن يؤدب على خوضه في أعراض الناس بغير حق.