أيضًا من الوسائل والمراتب التي جعلها الله سبحانه لهداية عباده، مرتبة الإفهام، فالفهم الذي نفهمه ويتفاوت فيه الناس هو رزق من الله سبحانه. قال جل وعلا: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} ، كان ذلك في قصة الغنم التي ذكر الله عز وجل: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} (الأنبياء: 78، 79) . قال أهل التفسير: كان حرثهم عنبًا فنفشت فيه الغنم ليلاً، فقضى داود بالغنم لهم، فمروا على سليمان فأخبروه الخبر، فقال: أَوَ غير ذلك؟ فردهم إلى داود فقال: ما قضيتَ بين هؤلاء؟ فأخبره، قال سليمان: لا، ولكن اقض بينهم أن يأخذوا غنمهم ويكون لهم لبنها وصوفها وسمنها ومنفعتها، ويقوم هؤلاء على عنبهم حتى إذا عاد كما كان؛ رُد عليهم غنمهم، وذلك قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} . (مصنف عبد الرزاق) .
إذن، فالفهم نور يقذفه الله تعالى في قلب عبده، يعرف به ويدرك ما لا يدركه غيره، وقد قال أبو جحيفة: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النَّسَمة، ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ فقال: العقل (وهو الدية) ، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر. (البخاري) .