وذكر الحافظ في الفتح أنها قالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدًا، إني رفعتُ الخباء فرأيته أقبل في عِدة هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا. فقال: «أتردين ... » الحديث (7) .
وكثير من النساء إذا نوت الطلاق نوت الشقاق، لكن زوجة ثابت أتت بها صريحة صادقة؛ لأنها تعلم أنها سترجع إلى ربها يومًا ويحاسبها على كل شيء، فلم تُرِد أن تعيش مع زوجها حياة مزيفة، تبخسه فيها حقه بسبب بغضها لشكله وهيئته، وفي نفس الوقت قررت أن الطلاق (الخلع) رغبةٌ منها، فلم تظلمه ولم تزعم أنه هو المطلق لتضيع عليه حقه ومهره، وما أحوج نساءنا لهذا الخُلُق.
يا من هداكم الله، احذروا المحلل
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي اللَّه عنها أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها فتزوجت آخر، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثل الهدبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (8) أي: يستمتع كل منكما بالآخر استمتاعًا كاملاً، والعسيلة: هي لذة الجماع، وشبهها النبي صلى الله عليه وسلم بذوق العسل، وجاءت عسيلة مؤنثة لتأخذ معنى النطفة (9) .
وأيضًا الغميصاء أو الرميصاء- زوج عمر بن حزم- طلقها زوجها، فتزوجها رجل آخر، فطلقها قبل أن يمسها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال صلى الله عليه وسلم: «حتى يذوق الآخر من عسيلتها ... » (10) الحديث.
والحقيقة فإن مجيء تلك النساء لتستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جواز العودة إلى الزوج الأول يدل على الخشية من الوقوع في الحرمة والإثم، كما يدل على عدم التجرؤ على حدود اللَّه جل وعلا، وعدم التحايل على ما يسمى «بالمحلل» ، في حين أننا نرى في زماننا الجرأة الواضحة على شرط القرآن: {حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ، وشرط السنة: «حتى يذوق من عسيلتها» .