وأما قولهم: إن الحديث لم يجمع في عصر الصحابة الأوائل؛ فهو مردود عليه أيضًا، فالقرآن لم يجمع في أول الأمر أيضًا، فهل يصح لعاقل أن يقول: إنهم لم يهتموا بالقرآن؟! كلا، وإنما لم يفعلوا لأن حفظهم كان كفيلاً بحفظ القرآن والسنة من الضياع لكثرة الحفظة في صفوف الصحابة، وعندما بدأ عدد هؤلاء يقل نتيجة استشهادهم في الحروب، ظهرت دعوى جمع القرآن والسنة، وقد اعتنى الصحابة بالسنة النبوية عناية فائقة جعلت رجلاً مثل الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يسير مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس من أجل حفظ حديث واحد، وكذلك رحل الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنهما من أجل حديث واحد، ثم أخذ التابعون من هؤلاء الصحابة السنة النبوية وهؤلاء وصفهم القرآن الكريم بقوله: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] ، وظلت السنة تتنقل من جيل إلى آخر حتى وصلت إلينا بفضل الله تعالى، وقد قيَّضَ الله في كل عصر رجالاً يأخذون على عاتقهم حفظ السنة وتنقيتها من الدخيل عليها.
طاعة الله في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوتي القرآن والسنة، فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» . [رواه أبو داود وصححه الألباني] .
وأخبر الله تعالى بأن الهداية لا تكون إلا بطاعته صلى الله عليه وسلم، وجعل الله تعالى طاعته عز وجل لا تكون إلا باتباع هدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وأخبر الحق سبحانه وتعالى أن كل ما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم كله وحي منه عز وجل، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] .