وذلك أنه يجتمع الأولون والآخرون في صعيد واحد، ليس لأحدهم سوى موضع قدميه، وهذا الزحام وحده كافٍ لإيجاد حرّ شديد، فكيف ومع هذا الزحام قد دَنَتْ الشمسُ من الرءوس، {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} [الفجر: 23] ، لذلك كله يأخذُ العرقُ الناس: «فمنهم من يأخذه إلى عقبه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حَقْويه، ومنهم من يُلْجمه إلجامًا» . [صحيح رواه مسلم (2864/ 2196/4) ، والترمذي (242/ 37/4) .] . {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} [المدثر: 9] ،
فهلا اتقاه المطففون بترك التطففيف، نسال الله السلامة.
يقول الله تعالى: {إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ} وهم المتجاوزون للحدّ في المعصية والإثم- ومنهم المطففون حقًا- {إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} من السّجن، وهو المكان الضيق جدًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الحديث الطويل في صفة قبض ملائكة الموت للأرواح، قال صلى الله عليه وسلم في حقّ الكافر الفاجر: «يقول الله تعالى: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى» . قال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} ؟ سؤالٌ لتفخيم الشأن، أي أنه أمرٌ عظيمٌ، وسجينٌ مقيم، وعذابٌ أليم، وقوله تعالى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} ليس جوابًا للسؤال الذي قبله، وإنما هو متعلق بما قبل السؤال، متعلق بقوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} والمعنى: إن كتاب الفجار كتابٌ مرقوم، أي مكتوبٌ، مفروغٌ منه، فلا يُزاد فيه ولا يُنقص منه، وهذا الكتابُ في سجين، وقوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} أي: ويلٌ لهم إذا صاروا إلى ما أوعدهم الله به من السجن، ويلٌ لهم حين يُقال لهم: {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ (30) لاَ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} [المرسلات: 29 - 31] .