ومنها حديث مرثد بن أبي مرثد الغنوي: كان يحمل الأسارى بمكة وكانت بمكة بغي يقال لها عناق، وكانت صديقته، قال: فجئت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أنكح عناقًا، قال: فسكت عني، فنزلت: {وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} ، فدعاني فقرأها عليَّ، وقال: «لا تنكحها» .
(أبو داود والنسائي والترمذي) .
قالوا: فالمراد به التزويج.
قال ابن القيم في الزاد: وأما نكاح الزانية فقد صرَّح الله سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من نكحها فهو إما زانٍ أو مشرك.
أما قول من قال إن الآية منسوخة، فهذا مردود بما تقرر في علم الأصول عند الأئمة الثلاثة: أن العام لا يصح أن ينسخ الخاص، وأن الخاص يقضي على العام مطلقًا سواء تقدم نزوله عنه أو تأخر (ويجوز نسخ الخاص بالعام عند أبي حنيفة) .
يقول الشيخ الشنقيطي جمعًا بين هذا وذاك: هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقًا؛ لأن حمل النكاح فيها على التزويج لا يلائم ذكر المشركة أو المشرك، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية، فإنها تعيّن أن المراد بالنكاح في الآية التزويج، ولا أعلم مخرجًا واضحًا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسف:
وهو أن أصح الأقوال عند الأصوليين كما حرره ابن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن، وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة: هو جواز حمل المشترك على معنيين أو معانيه المختلفة. فيجوز أن نقول: عدا اللصوص البارحة على عين فريد، وتعني بذلك أنهم عوروا عينه الباصرة أو غوروا عينه الجارية (عين ماء) ، أو سرقوا عينه التي هي ذهب أو فضة.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافًا لمن قال إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر.
وإذا جاز حمل المشترك على معنييه، فيحمل النكاح في الآية على الوطء وعلى التزويج معًا، ويكون ذكر المشرك والمشركة على تفسير النكاح بالوطء دون العقد.