فهرس الكتاب

الصفحة 13636 من 18318

ها هي خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الملك في غار حراء؛ فارتاع ورجف وخاف على نفسه صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى خديجة وأخبرها الخبر، ثم قال: «لقد خشيت على نفسي» . فوقفت خديجة- رضي اللَّه عنها- موقف العاقلة البصيرة التي تستشف روح الأحداث، فقالت له: «كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا، فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ (المثقل بإعاشة عياله) ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق (1) . فطمأنته حين قلق، وأراحته حين جهد، وذكرته بما فيه من فضائل، مؤكدة له أن الأبرار أمثاله لا يخذلون أبدًا، وبهذا العقل الراجح والقلب الصالح استحقت خديجة أن يجيبها رب العالمين، فيرسل إليها السلام مع الروح الأمين (2) .

وكذلك أم سلمة رضي اللَّه عنها وهي زوج النبي أيضًا، وكانت تعرف بأنها عاقلة حكيمة حليمة، وحَدَث أن رد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة بالحديبية وأجروا معه صلحًا على أن يؤدي العمرة هو وأصحابه من العام القادم، وكان كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممتعضًا لما يرى في الظاهر من إجحاف شروط المعاهدة على المسلمين، فلما تأجلت العمرة إلى العام التالي وهم مُحْرِمُون، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» . وذلك ليتحللوا من إحرامهم وعمرتهم ويعودوا إلى المدينة، فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرار، فلما لم يقم منهم أحد، دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس (أصحابه) فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ - أي أن يطيعوك- اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك (الإبل) وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج صلى الله عليه وسلم فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، فلما رَأوْا ذلك قاموا- عَجِلين- فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا (3) . أي لشدة الغيظ على الكافرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت