قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله: «وإن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان» .
وأهل الإيمان يتفاضلون ويتفاوتون في درجات الإيمان، فليس من حصل أكثر هذه الشعب كمن حصل القليل منها:
وقد قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف على نفسه النفاق، ما فيهم من أحد يقول إن إيمانه مثل إيمان جبرائيل وميكائيل، وأفضل هذه الأمة إيماناًَ بعد نبيها صلى الله عليه وسلم: أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي، ثم الصحابة، خيار أولياء الله المتقين، وكما وصفهم ابن مسعود رضي الله عنه: «كانوا أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفًا» .
حلاوة الإيمان ...
وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً» .
ومعنى الحديث: أنه لم يطلب غير الله تعالى، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه.
وقد بين القاضي عياض أن من كان كذلك صح إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه لأن رضاءه بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً دليل لثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة بشاشته قلبه، لأن من رضي أمراً سهل عليه، فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعة الله تعالى، ولذت له.
والإيمان الذي نتحدث عنه مرده للوحي الصادق؛ ولذا ابتدأ الإمام البخاري كتابه بكتاب الوحي، ثم الإيمان، ثم العلم؛ وذلك لعظيم فقهه في الدين، وقد بين بذلك أن مرد العلم والإيمان لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز الرجوع في ذلك إلى علم الكلام أو الفلسفة.