والراجح مذهب الجمهور لحديث سلمة بن الأكوع في صحيح مسلم ولحديث البراء بن عازب في صحيح البخاري، أن الصوم لم يكن فرض عين على كل مكلف وإنما كان للمكلف رخصة في أن يفطر وأن يطعم لقوله تعالى «وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين» ، فلما نزل قوله سبحانه: «فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» أصبح الصوم فرض عين على كل مكلف ونُسخت الآية السابقة، ولكن بقيت في حق الشيخ الزَّمِن والمريض الذي لا يُرجى برؤه، وقد ترجم البخاري في صحيحه بما يؤيد ذلك بقوله: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر.
6 -حكم صوم المرأة المرضع والحامل:
إن عجزت المرأة عن الصوم لحمل أو إرضاع فقد ذهب ابن حزم الظاهري إلى أنه لا يجب على المرأة المرضع أو الحامل الصوم ولا القضاء في حالة إذا ما خافت المرضع على ابنها من قلة لبنها أو خافت الحامل على الجنين وقال: لهما أن يُفطرا وليس عليهما قضاء لأنهما أفطرتا بعذر، والمولى سبحانه استثناهما من الصيام في قول الله سبحانه: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} المرأة إذا كانت حاملاً ولم تفطر وأصاب ذلك جنينها من الضرر فقد دخلت بذلك في عموم الآية، لا يجوز لأحد أن يُوجب على أحد غرامة لم ينص عليها الشرع، وإلا لكان في ذلك أكلٌ لأموال الناس بالباطل.
بينما ذهب عبد الله بن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب إلى أن المرأة الحامل والمرضع تُفطران ولا قضاء عليهما ولكن يطعمان. فقد قال عبد الله بن عمر لامرأة من قريش حُبلى عجزت عن الصوم، أفطري وأطعمي لكل يوم مسكينًا ولا تقضي. وورد عن ابن عباس أنه قال لأم ولد مرضع أنتِ بمنزلة من قال فيهم المولى سبحانه: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ» فقال لها: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكينًا ولا تقضي.