وحسبك من آثار القطيعة بين المسلمين الحرمان من مغفرة الله عز وجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُعرضُ الأعمالُ في كلِّ اثنين وخميس، فيغفرُ الله لكلِّ امرئٍ لا يشركُ بالله شيئًا، إلاَّ امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناءُ، فيقول: اتركُوا هذين حتى يصطلحا» ( [مسلم 2565] .
وقال صلى الله عليه وسلم: «يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمُشركٍ أو مُشاحن» . [صحيح الترغيب 2767] .
ولذلك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الرَّجلين بأنه الذي يبدأ بالصلة وقطع الخصومة، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثِ ليالٍ، يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأُ بالسلام» . وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحلُّ لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاثٍ، فإن مرت به ثلاثٌ فليلقه فليسلم عليه، فإن ردَّ عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يُرد عليه فقد باءَ بالإثم وخرجَ المسلم من الهجرةِ» . [صحيح الترغيب 2757] .
فاصطلحوا أيُّها المتشاحنون، وتواصلوا أيها المتقاطعون، وأفيضوا جميعًا إلى ظلال المحبة والسلام والتَّعاون والأُخوة والوئام، تُحققوا ما تصبون إليه من رُشدٍ وخير، في دُنياكم وأُخراكم، إذًا لابد من العفو عن الزلات، والغضِّ عن الهفوات، ويبادر كلُ متشاحنين إلى التسامح والصفاء، فإن كل إساءة تقابل بالإحسان سوف يكون له الأثر الطيب في محو أثرها، ومعالجة ما أحدثته من صدع وجفاء، من أجل ذلك أمر رب العزة سبحانه بإتباع السيئة الحسنة فقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] .
والمعنى: إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك حتى يصير كأنه ولي لك حميم، ومقابلة السيئة بالحسنة مرتبة عظيمة لا يرتقي إليها من عباد الله إلا من امتلك زمام نفسه؛ إذ فيها خيره وسعادته في العاجلة والآجلة وصلاح مجتمعه.