فهنا كما تلاحظ قال الله لموسى: {عَذَابِي} أي: الصاعقة أو الرجفة التي أصابت قومك {أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي} العامة وسعت الجميع في الدنيا، أما رحمتي الخاصة التي هي سبب النجاة في الدنيا والآخرة فهي من نصيب الذين يؤمنون بمحمد النبي الأمي الذي جاءت صفاته وصفات أتباعه في التوراة والإنجيل، ثم ذكرت الآية الكريمة جانبًا من تلك الصفات والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، وفي الآية الكريمة إشادة بشرف أمة محمد وبيان منزلة من آمن به من العرب والعجم وتعريض بحال يهود المدينة الذين كفروا بهذا النبي الأمي كما هو موصوف عندهم وتحذيرهم من سلوك مسلك آبائهم في الكيد والعناد، وأنه لا سبيل إلى النجاة إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ومؤزارته ونصره.
ثانيًا: إذا كان التكبر سبيل كل شر فإن التواضع سبيل كل خير، ولذلك جاء من أهم سمات الأمة المرحومة التواضع لله ولرسوله وللمؤمنين والعزة على الأعداء، واقرؤا إن شئتم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] . إلى آخر ما وصفهم الله به في هذه الآية وفي مواضع كثيرة يضيق المجال بذكرها، كما وردت آثار وأحاديث في صفات هذه الأمة الناجية لا يتسع المجال لها.
ثالثًا: قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله-: «فرق بين قول موسى عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} » ، وبين قول هؤلاء: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} ، فموسى قال ذلك شوقًا إلى رؤية ربه، أما هؤلاء فقالوه تشككًا واشتراطًا جافيًا لسنا بمؤمنين إلا إذا رأينا الله جهرة. اهـ.