وبتدبرنا لمقدمة الكتاب، وأول باب العلم الذى هو أول أبواب الكتاب، نجد أنه لا يقصد بعلوم الدين الكتاب والسنة، ولا علوم الفقه والتشريع، وانما يقصد بعلوم الدين (علم الباطن، وعلم المكاشفة والمشاهدة) كما يرى أنه هو العلم المقصود في قوله صلى الله عليه وسلم"طلب العلم فريضة علي كل مسلم ومسلمة"وهذا توجيه باطني صوفى، يبرأ منه الحديث، ويبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبلغ به الامر إلى أن يضع هذا العلم الاخير (علم الباطن) في القمة وأن تعلمه فرض عين. ويضع علم الفقه بجانب علم الطب ومن فصيلته، وأن تعلمه فرض كفاية، كتعلم الطب تماما بتمام. بل ويصرح بأنه ما أتى بالعبادات في هذا الكتاب إلا ليوهم أرباب الشريعة ومحبى دراستها أنه يدرس معهم علم الظاهر، أو علم الفقه، وفي نفس الوقت يقدمه لهم فيه مبطنا ومحشوا بعلم الباطن وعلم المعرفة الذوقية، وهم لا يدرون، ومن قوله في ذلك:"فلم أبعد أن يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفا في استدراج القلوب"- (الاحياء ص 5 طبعة الشعب) .
فكأنه بذلك قد اتخذ الدين، والعبادات ذريعة إلى ايقاع العوام ومن ليست لهم قدم راسخة في فقه كتاب الله وسنة الرسول- في علم الباطن، والتفلسف والتشيع الغالى، التى هى لب التصوف المقيت.
زد على ذلك أنه يقف من الفقه وعلمائه موقف العداء بصفتهم علماء الظاهر، لا علماء باطن (انظر الاحياء: كتاب العلم من ص 2 - 49) .
ولذلك نبه السابقون ومن عاصروه، على وجوب التفطن والحذر عند قراءة الاحياء، وأنه لا تجوز قراءته إلا لمن خبر أساليب القوم، وفهم مراميهم التصوفية، وقد قال الإمام أبو عمر بن الصلاح نقلا عن الامام المازري من كلام طويل له في محاسن الاحياء ومذامه،"بأن من لم يكن عنده من البسطة في العلم، ما يعتصم به من غوائل هذا الكتاب فإن قراءته لا تجوز له".
فهذا مبلغ تحرز علماء السنة السابقين من قراءة هذا المسمى (الاحياء) .