أما أبو عبيدة- رضى الله عنه- فقد كان يوم وصول الكتاب تحت إمرة خالد، والمعركة دائرة، فحمله حرصه على الوحدة، وإتقاء الفتنة أن يكتم الكتاب، حتى تم النصر بقيادة خالد، فأعلمه بكتاب عمر، فامتثل خالد في سماحة نفس، وعمل جنديا تحت قيادة أبى عبيدة، لأنه يجاهد في سبيل الله، لا لحظ من حظوظ الدنيا، ولا لإمارة يتولاها، وأخلص النصح للقائد، ولم يبخل برأى نافع، ولا بخطة يراها صالحة لجند المسلمين، حتى ثم برأيه فتح دمشق، ثم وجهه أبو عبيدة إلى شمال الشام، فأوغل فيها إلى قنسرين، فبلغ ذلك عمر، فأدرك أن أبا بكر كان محقا، اذ رفض عزله عندما أشار عليه بذلك بعد مقتل مالك بن نويرة في حرب الردة، وزواجه امرأته والحرب دائرة، وقال عمر:"أمر خالد نفسه، رحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال منى".
ولم يكتف عمر بعزل خالد، وإنما حاسبه حسابا عسيرا، وعنفه تعنيفا شديدا.
وقد عاتب خالد عمر على شدته في معاملته، فأجابه: ياخالد، والله إنك على لكريم، وانك إلى لحبيب، ولن تعاتبنى بعد اليوم على شئ. ثم أذاع في الناس أنه لم يعزل خالدا عن ريبة فيه، فكتب إلى الامصار:"انى لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به فخشيت أن يوكلوا إليه، ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع! ."
فماذا كان من خالد بعد عزله وحسابه وتعنيفه؟ طاعة وولاء، لانه لم يخرج إلا لله، ولم يعمل الا لله، ويعلم في الوقت نفسه أن الفتنة والفرقة شر على الإسلام والمسلمين، وهو من أعز الله به الإسلام والمسلمين- كما أنه يعرف أن عمر مخلص لله فيما يأتى وفيما يدع، ولقد قال خالد عن عمر لابى الدرداء:"قد كنت وجدت (غضبت منه) عليه في نفسى في أمور كلما تدبرتها في مرضى ... عرفت أن عمر كان يريد الله بكل ما فعل".
وفاته: