الخامسة: أن الابتلاء سُنة من سنن الله مع أوليائه وعباده الصالحين، ولذا قال الراهبُ للغلام: وإنك ستبتلى. يعني: ما دام قد بلغ من أمرك ما أرى، فلا بد أن تبتلى تمحيصًا، ويشهد لذلك قول ربنا: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2، 3] .
السادسة: زُهدُ الدعاة في حكم الدنيا، وعدم أخذهم الأجر على الدعوة إلى الله.
فإنه لما جاء جليس الملك للغلام بهدايا كثيرة وقال: كل ما ههنا لك أجمعُ إن أنت شفيتني. قال: إني لا أشفي أحدًا ... ومعناه: لا أستحق شيئًا من هذه الهدايا.
السابعة: حرصُ أولياء الله على سلامة معتقدات العباد، وتعليق قلوبهم بالله وحده، فإنّ الغلام قال لجليس الملك: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله. فمن عُرف بأنه مستجاب الدعوة- مثلاً- فعليه إذا دعا لأحدٍ أن يصرف قلوبهم عن التعلق به إلى التعلق بالله عز وجل، وأن يعرفهم أنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرّاً، وكذلك مَنْ عُرِفَ بمداواة النّاس بالرُّقى أو بالطبّ، يجب أن يعلمهم أنه يرقيهم- فقط- والله يشفيهم.
الثامنة: أن الإيمان أعظم ما يتوسل به العبد إلى ربه، ولذا قال الغلام لجليس الملك: إنّي لا أشفى أحدًا، وإنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوتُ الله فشفاك. وقد كثر في القرآن مدح: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
[آل عمران: 16] ،