وبعد نزول هذه الآية أمر النبي صلى الله عليه وسلم حارسيه أن ينصرفوا كما روى الترمذي وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، فقال لهم: «يأيها الناس انصرفوا، فقد عصمني ربي» (12) .
قال ابن كثير: «ومن عصمة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم حفظهُ له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغْضة ونصب المحاربة له ليلاً ونهارًا، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقَدَره وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا شرعية ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم- وهي المدينة- فلما صار إليها حَمَوْه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمَّ اليهود ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به، وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جدّاً يطول ذكرها» (13) .
وقبل أن أنتقل من هذه النقطة إلى غيرها أقول لعموم أهل الإيمان: لا ينبغي لكم التقاعس والتخاذل عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذكركم بتقريع الله وتوبيخه الشديد لمن تخلف عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في قوله تعالى: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} [التوبة: 120] ، أي: ما صح ذلك وما استقام.