"الأول - وهو الغريزى - يجرى مجرى البصر للجسم، والثانى - وهو المكتسب - يجرى مجرى نور الشمس، ولا منفعة للنور عند عمى البصر، ولا يجدى البصر عند عدم النور .. فكذلك بصر الباطن، وهو العقل، وهو أشرف من البصر الظاهر - العين - إذ العقل كالفارس، والبدن كالفرس، وعمى الفارس أضر من عمى الفرس (ميزان العمل للغزالى ص 126) "
ولا نسترسل في الحديث عن العقل، ومنزلته في تحقيق إنسانية الإنسان .. ولا نسترسل كذلك في الحديث عن الصلة بين العقل والعلم، حيث لا عقل بلا علم، ولا علم من غير عقل.
ونسأل: كيف يستساغ أن تقوم بين الشريعة الإسلامية وبين العقل تلك الفجوة التى يفرضها المتفقهون على الشريعة الإسلامية؟ بحرمانها من العقل وحرمان العقل من أن يتغذى منها، ويرد مواردها العذبة الصافية؟
لقد كان ذلك حين ضعف المسلمون، وغشيتهم غواشى الجهل، فقام من بينهم من كان عندهم صبابات ضحلة من العلم، فعلوا على رقاب الناس، وأمعنوا في الاستبداد الدينى بهم، وأروهم أنهم هم خزنة العلم والمعرفة، وأن من يأخذ دينه من غير طريقهم ضل وهلك .. وهنا اتسعت الطريق لأدعياء التصوف، فسقوا الناس من شطحاتهم، وألقوا على عقولهم حجبًا كثيفة من مقولاتهم التى سموها لسان الحال، الذى يتنزل عليهم من عالم الغيب، بألسنة تختلط فيها الرومية بالعبرية، والسريانية، وغيرها مما لم تعرفه ألسنة البشر، والتى يخيل إلى الناس منها أنها تحمل أسرارًا من رددها على لسانه، وذكر الله بها، وصل إلى الله من أقرب طريق ..
وهكذا غاب العقل عن مواقع الفهم والإدراك، ووقع المسلمون في غيبوبة عقلية، إذا هم نظروا إلى الدنيا حولهم دارت رءوسهم، كما تدور رءوس السكارى ..
يقول الإمام"محمد عبده"في مقدمة"رسالة التوحيد"واصفا تلك الحال التى وصل إليها المسلمون في عصور التخلف والضعف: