وهناك أنواع من الهداية غيرُ هذه الهداية، سبق الكلامُ عنها في سورتي البلد والإنسان، عند قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] ، وقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} ، وقوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} المرعَى معروف، وهو ما ترعاهُ النعمُ وغيرُها من الدواب، وهو يكونُ أخضر يانعًا، ثم يجعله الله غثاءً أحوى، أي يابسًا أسود، هشيمًا متغيرًا، وفي هذا إشارةٌ إلى أن كل نباتٍ إلى حصاد، وكلّ حي إلى مَوْت، وهي إشارةٌ ضمنية، قد جعلها الله مثلاً للدنيا، حتى لا يغتّر الناس بها، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ} [الزمر: 21] .
وقال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] . والآيات في هذا كثيرة.
وقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى (6) إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ} إخبارٌ من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، ووَعدٌ منه له بأنه سيقرئه قراءةً لا ينسى منها إلا ما شاء الله. وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل يُعلمه القرآن يتعجل بالقراءة معه حتى لا ينسى، فنهاه الله عن ذلك، فقال: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] .