لقد اختار الإمام النووي: أنه يشرع السلام على المنشغل بتلاوة القرآن، وأنه يجب عليه الرد، ويرى غيره أن القارئ للقرآن مطلوب منه التدبر، فيعي عقله، ويحضر قلبه، ويستغرق في ذلك كل الاستغراق وينسى ما حوله، وفي إلقاء السلام عليه إفزاع وإيذاء له وإرجاع من هذه الحالة، فإن سلم عليه رد السلام.
جـ- السلام على المنشغل بالذكر والدعاء
للذكر والدعاء لذة وبهجة لما في ذلك من إقبال على الله بالكلية، ولما فيه من إعراض عن الدنيا وشواغلها. يقول ابن القيم في منزلة الذكر: وهي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون وفيها يتجرُون وإليها دائمًا يترددون، والذكر منشور الولاية الذي مَنْ أُعْطِيَهُ اتصل، ومَنْ مُنِعَهُ عُزِلَ، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قُطَّاعَ الطريق، وماؤهم الذي يُطْفِئْون به التهاب الحريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل، والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.
إذا مرضنا تداوينا بذكركم
فنترك الذكر أحيانًا فننتكس
به يستدفعون الآفات ويستكشفون الكُرُبات وتهون عليهم به المصيبات، يَدَعُ القلب الحزين ضاحكًا مسرورًا، ويوصِّلُ الذاكر إلى المذكور، بل يَدَعُ الذاكر مَذْكُورًا.
وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة بل هم يؤمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، فكما أن الجنة قيعان هو غِرَاسُها، فكذلك القلوب بورٌ خرابٌ وهو عمارتها وأساسها، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عَبْدِه ما لم يُغْلقْهُ العبدُ بغفلته.
(مدارج السالكين 2/ 440، 441) .