وأما المالكية والحنابلة فإن هذا العقد عندهم يقع باطلاً سدًا للذرائع، ولما روي من قصة زيد بن أرقم رضي الله عنه مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي: أن العالية بنت أيفع قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة رضي الله عنها، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم (أي حالَّة) ، فقالت عائشة رضي الله عنها: بئسما شَرَيْتِ وبئسما اشْترَيْتِ، أبلغي زيدًا أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب، كما استدلوا بحديث:» إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم «. واستدلوا أيضًا من جهة المعقول بالقياس على الذرائع المجمع على منعها بجامع أن الأغراض الفاسدة في كل منها هي الباعثة على عقدها، لأنه المحصل لها. قال أبو عمر بن عبد البر: وتفسير ما ذكره مالك وغيره في ذلك أنها ذريعة إلى دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل، ودنانير بدنانير أكثر منها إلى أجل. وهكذا نرى أن التحايل على الربا واضح في صورة العينة، وقد حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيَّن لنا أن هذه الصور المنهي عنها إذا تعامل الناس بها فإن الله تعالى ينزل بهم البلاء، والمسلمون تنزل بهم البلايا والفتن من غلاء العيش وضنكه وضيق الصدور، وظهور الأوجاع والأمراض وانتشارها، وتسلط الأعداء عليهم، ونزول الذل بهم، وذلك بسبب الإعراض عن دين الله تعالى، وعدم المبالاة بالمكاسب. ولقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا البلاء لن يُرْفَعَ حتى يرجع الناس إلى دينهم، والله تبارك وتعالى بيَّن لنا في كتابه العزيز أن ما يصيب الناس إنما يكون بسبب ما كسبت أيديهم من المخالفات الشرعية، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى] .